محمد محمد أبو موسى
165
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
اليه أن المشتغلين بالدراسة الأدبية من البلاغيين لم يبسطوا القول فيه على غرار ما فعل دارسو القرآن ، سواء من عرض لتأويل مشكله ، أو عرض لبيان اعجازه ، وأن عبد القاهر الجرجاني وهو ممن عالجوا أمر الاعجاز لم يقف عند هذا الأسلوب ولم يشغل ببيان أسراره ، وذلك راجع فيما أعتقد إلى أن من سبقوه قد تحدثوا في هذا ، ولم يصبح الأمر في حاجة إلى زيادة ، وقد عهدنا عبد القاهر لا يقف طويلا عند الفنون التي كانت قد اكتملت دراستها في زمانه ، وأنه كان منصرفا إلى أن يحدث الناس فيما لا يعلمون ، وهذه طريقة الممتازين من العلماء . ومن أبرز من أشاروا إلى التكرير أبو محمد عبد اللّه بن مسلم ابن قتيبة ، فقد ذكر أنواعا من التكرار وبين أسرارها ، فذكر تكرار قصص الأنبياء ، وأشار إلى دواعيها ، وبين أن اللّه عز وجل أنزل القرآن نجوما تيسيرا منه على العباد ، وتدريجا لهم إلى كمال دينه ، ووعظهم وعظا بعد وعظ تنبيها لهم من سنة الغفلة ، وشحذا لقلوبهم بمتجدد الموعظة ، وأن اللّه لم يفرض على عباده أن يحفظوا القرآن كله ، ولا أن يختموه في التعليم ، وانما أنزله ليعملوا بمحكمه ، ويؤمنوا بمتشابهه ، ويأتمروا بأمره ، وينتهوا بزجره ، ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة ، ويقرءوا فيها الميسور ، ثم يقول : « وكانت وفود العرب ترد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم للاسلام فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن ، فيكون ذلك كافيا لهم » وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة ومكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم وقصة لوط إلى قوم فأراد اللّه بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع ويبثها في كل قلب ويزيد الحاضرين في الأفهام والتحذير » « 126 » . وذكر تكرار الكلام الذي يكون من جنس واحد ويغنى بعضه عن بعض كتكرار « قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ » « 127 » ويقول في بيانه : « فقد أعلمتك
--> ( 126 ) تأويل مشكل القرآن ص 180 وما بعدها . ( 127 ) أي سورة « الكافرون » .